"حول  مقالة إسحاق بن عمران في المالينخوليا"

الأستاذ الدكتور/ سليم عمار
تونس

الخلاصة:-
لقد أتي إسحاق بن عمران منذ ما يقرب عن ألف سنة من العراق قاصدا أفريقيا حيث تولى صناعة الطب بالقيروان في خدمة الأمير إبراهيم بن الاغلب ثم زياد الله الثالث الاغلبي فأقام أساس دار الحكمة بالقيروان وكان أول من أدخل حسب ابن أبي أصيبعة حقائق المداواة والتطبيب بالمغرب العربي ولقد ألف أحد عشركتابأ لم يصلنا منها إلا مقالته في الماليخوليا أو مرض السوداء والاكتئاب. حيث يحفظ مخطوطها الوحيد بمكتبة ميونيخ بألمانيا.
ولقد حققنا هذا المخطوط بمساعدة السيد عبد الحفيظ منصور الأستاذ بكلية الشريعة وأصول الدين سعيا في تحليله العلمي في مستوى الطب النفسي المقارن الذي يتعرض لمفهوم حالات الاكتئاب في عصر ابن عمران، وفي عصرنا الحالي هذا ولم يطرح هذا
البحث إلى حد الآن في هذا الشكل.

وقد أدت هذه الدراسة إلى عرض أطروحة شاملة للدكتوراه، قدمت مؤخرا بكلية الطب بتونس باللغة العربية لاول مرة في تاريخ الكليات الطبية التونسية.
وقد. يحتوي هذا المخطوط على مقالتين:
الأولى : تتعلق بالتعريف بالمالينخوليا، وبأرضية الأسباب والمظاهر السريرية المختلفة للمرض.
أما الثانية: فجاءت بيانا ضافيا للعلاج على اختلاف أنواعه التي تشمل العلاج النفساني والحمية والتغذية والطرف المرتكزة على البيئة والمحيط، فالطرق الفيزيائية مثل الدلك بالادهان والاستحمام ، وأخيرا العلاج بالأدوية والعقاقير الذي شرحه ابن عمران بكل دقة من حيث صناعة الأدوية وكيفية استعمالها، فسطر كل الوسائل العلاجية المعروفة اليوم في ذلك الداء. ولقد
وصف ابن عمران كل الأشكال الاكتئابية تقريبا ما عدا الأشكال العصابية والارتكاسية غير انه لم يذكر، ولو مرة واحدة كلمة الانتحار.

هذا وان الأبحاث المماثلة التي ترفع الركام عن تراثنا العربي الإسلامي النفيس من شأنها أن تزودنا بمزيد من الحكمة والتفطن فتفتح المجال لأبحاث واسعة في ميدان الفرماكولوجيا من جهة، وتجعلنا من جهة أخرى نقدر مليا قداسة الرسالة الطبية الشاملة التي أقسمنا أن نؤديها لصالح البشر حسب تعاليم الطب الإسلامي الذي كان ابن عمران من ابرز رواده.

أقدم لكم تحليلا موضوعيا لهذه المقالة التي حصلنا على صورة شمسية من مخطوطها الوحيد المحفوظ بمكتبة ميونيخ بألمانيا
الفيدرالية، فحققناه تحقيقا علميا منطقيا سعيا منا لإحياء تراثنا العربي الإسلامي الرائد، وكذلك لاستخلاص العبر الأخلاقية
والقيم العالية التي يحتوي عليها هذا البحث، وهومن أدق وأرقى ما قدمه أسلا فنا الأطباء العرب في هذا العرض. ولقد تمكنا من تحقيق هذا المخطوط بمشاركة الأستاذ عبد الحفيظ منصور الذي ساعدنا مشكورا على هذا العمل الدقيق.
وغايتنا أن نرى تحليلنا هذا على أساس المقارنة بين ما آتى به إسحاق بن عمران حول هذا المرض، وما نعرفه اليوم عن حالات الاكتئاب حسب ما آتي به الطب الحديث في هذا الصدد.

ولقد سبق أن تعرض إجمالا لهذا المخطوط الدكتور/ احمد الشريف في الأطروحة التي قدمها باللغة الفرنسية سنة 1908 في بوردو، حولي، بيت الحكمة بالقيروان ثم ذكره السيد أبو بكر، أبو يحي، المعروف باعتنائه بتاريخ الطب والصيدلية في تونس (2) ونحن اليوم ندرس بدورنا هذ ا المقال راغبين مزيد التعرف به على ضوء خبرتنا في الطب النفسي وعلى أساس تحليل فني منطقي يشمل كل جوانب الموضوع.

ا- التعريف بإسحاق بن عمران:

هو من، مواليد سمارة في العراق تعلم الطب منذ صغره ونبغ فيه في الدوائر العلمية التابعة لبيت الحكمة في بغداد وانتقل إلى القيروان عام 224 هـ، بطلب من الأمير إبراهيم الاغلبي ثم خدم زيادة الله الثالث التميمي، الذي تولى الإمارة عام 240 هـ. ويقال إن العلم بصناعة الطب لم يدخل بلاد المشيب حقا قبل إسحاق بن عمران الذي يعد بجانب إسحاق بن سليمان الإسرائيلي، وأبى جعفر احمد بن الجزار، من أقطاب الأطباء الذين ازدهر بهم بيت الحكمة بالقيروان في ذلك العهد.

وكان حسب ابن أبى اصيبعة صاحب "عيون الأنباء في طبقات الأطباء" طبيبا مشهورا وعالما مذكورا حاذقا متميزا بتأليف الأدوية المركبة، بصيرا بتفرقة العلل، أشبه بالأوائل في عمله وجودة قريحته.

وترك ابن عمران أحد عشر مخطوطا لم يصل إلينا منها إلا كتابه هذا في المالينخوليا وقد اعدم ابن عمران في نهاية الأمر بإذن الله من زيادة الله الثالث لسبب تعلقه بالكرامة والشهامة وعزة النفس، وبمبادئ صناعة الطب السامية.

واليوم يحمل اسم ابن عمران كلا من قسم: للأمراض النفسية بالمستشفى الجامعي بتونس، ومن المصلحة الجامعية. للأمراض النفسية بالجزائر العاصمة.
2- كتاب المالينخوليا:
هوت مخطوط عن 78 صفحة من مجلد يحتوي على أربعة مقالات في 282 صفحة محفوظ في الجناح العربي بمكتبة ميونيخ تحت رقم 805 قد نسخه بسورية سنة 1757 م أبو زياد بن الالرسان.

ويحتوى هذا المخطوط على مقالتين:
الأولى: تتحدث عن تعريف المالينخوليا وعن الأسباب المرضية والمظاهر السريرية للمرض أما الثانية: فجاءت بيانا ضافيا للعلاج بمختلف أنواعه.

المقالة الأولى

أراد ابن عمران أن يقدم بحثا شاملا في هذا الداء لأنه لم يجد حسب قوله لأحد من الأوائل كلاما شافيا. فيه فغالينوس   ذكره بإيجاز وأما روفس الافاسي فقد اختصر على الصنف الشراسفي منه   لذا سعى ابن عمران أن يشمل بصفة علمية ومنطقية التعريف بهذا الداء وبأسبابه وتربته وجميع أصنافه وطرق علاجه.

التعريف  بالمرض 
المالينخوليا مرض سببه الأدنى هو المرة السوداء، وتلحق أضراره النفس، وتحل المرة السوداء إما في فم المعدة، واما في جوهر الدماغ فتكون أعراضه النفسية الخوف والحزن والكآبة والفزع.
   2) الا سباب المرضية (ا لفيزيوبا تولوجية)
ولقد قسمها ابن عمران كما يلي:
أ- الأسباب التكوينية الناتجة عن المزاج وتأثره بعوامل 
ب- الأسباب التي تنتج عن كثرة الطعام والشراب والإغراق فيهما وترك تنقية البدن بصفة أن يختل توازن الأسباب الاضطرارية الستة الآتية، وهي: العمل والحركة والسكون، والنوم واليقظة، الاستفراغ والامتناع عن الطعام والشراب، والهواء المتنسم والمستنشق، وأخيرا الأحداث النفسية التي تتصف كما يقول ابن عمران بالعوارض والآلام الناتجة لفقدان محبوب ما أو أمر آو شيء مرغوب فيه 
3) الأصناف المرضية وعوارضها
ثم إن ابن عمران يركز تفسير الأسباب المرضية على نظرية الأخلاط الأربعة وهي الدم والبلغم والمرة الصفراء- والمرة السوداء وخاصة المرة السوداء منها ثم يستخلص من ذلك ثلائة، أصناف مرضية.
- صنفا يتعلق بفم المعدة والشراسيف 
- صنفا يتعلق بالدماغ يتولد بما في جوهر الدماغ واما في الأطراف من اسفل البدن فيرتقي منها إلى الدماغ.
وهاته الأصناف الثلاث لها مظاهر موحدة وهي الكآبة الشديدة والحزن العميق والخوف والفزع والانشغال المتواصل بدون سبب.
وهنا يصف ابن عمران بعض العوارض المرضية التي تميز هذه الحالات فهناك المريض الذي تمر به أفكار رهيبة خيالية فيشعر بأحاسيس خاطئة، كالذي رأى جماعة من السود يريدون قتله، وهناك الذي يتوهم أن لا رأس له أو يسمع مثل خرير المياه وقرع الرياح وعصفها وأصوات مهولة في أذنه، كما أن المرض يفقد المحاكمة والتمييز كالذي يخشى من سقوط السماء على رأسه فيجتنب المشي تحتها والأمثلة عديدة في هذا الصدد غير أن هؤلاء المرضى يشعرون بضرورة اللجوء إلى الطبيب بمزيد من التعطش والإلحاح لشدة يأسهم وكثرة آلامهم .
أما من الناحية الجسمية فكلهم يشتكون من الهزال والأرق ثم يتعرض ابن عمران إلى الأعراض السريرية للأصناف المرضية الثلاثة السابق ذكرها . 

1) فيلاحظ في الشكل الذي يمس الدماغ الأرق ووجع الرأس وكثرة لمع العينين ونهم من يقل تقوته من الطعام والشراب وهى أخطر الأحداث ويتصف  هذا الصنف بالهياج وحتى بالوثب الذي يذكر بالسباع وسماه ابن عمران الصنف السبعي  وهو يؤدى إلى الشرسام . 
2) أما في الصنف الشراسفي فان الأعراض تعم المرضى، وتزيد فيهم حسب قوله ما يجدون لمن التزقق فى  بطونهم من الرياح السوداوية. فهذا الصنف يتصف بشدة الكآبة وحب العزلة والاستراحة في الأماكن القاسية.
3) وهناك أصناف أخرى تسبق أو تتبع لابلسيا الذي يسميه ابن عمران بالمرض العظيم.
تعاليقنا على المقالة الأولى
في هذ5 المقالة يتبين لنا إن ابن عمران قد تعرض:
1) إلى أهمية التجسيد المرضى الذي يحدث في الملينوخوليا والحالات الاكتئابية المقنعة بأعراض جسدية وهى كثيرة المشاهد في بلادنا في عصرنا الحالي .
 2) ثم انه تعرض إلى أهمية الأحداث النفسية كالحزن لفقدان محبوب ما والقلق الشديد فهذان العنصران يمثلان المحور الأساسي الذي يرتكز عليه التفسير السيكوباثولوجي الحديث لمرض الاكتئاب العصابي depression neverotique
حساب اغلب مدارس التحليل النفسي.
3) ثم إن ابن عمران تعرض إلى الأصناف السريرية التالية:
- الصنف الذي يتميز بعدم الحيوية والنشاط، وشلل الإرادة والخوف، والفزع وهو صنف يمكن
مقارنته اليوم بحالات الاكتئاب الذهولي (Forme stuporeuse) الصف القلقي ( Forme anxieuse) الذي يتصرف بشدة الحصر والتوتر المصحوبة بعدم الاستقرار والهياج، والذي يؤدي إلي الاختلاط الفكري confusion mental، وحتى إلى الشرسام الحاد (delire aigu) ويصفه ابن عمران بكل دقة ووضوح في نطاق ما نسميه اليوم بالذهان الهوسي السوداوي، وكذلك لقد وصف الأصناف الهذيانية التي يصاحبها اضطراب في المحاكمة أو التمييز حتى يرى المريض الأشياء بخلاف ما هي عليه وهي تدور دائما حول مواضيع مؤلمة ومفزعة لا أساس كما، كما انه وصف الأصناف الهلسية سمعية كانت أم ببصرية أم حسية باطنية أم حتى التي تشير إلى تناذر كوتار المتميز في شعور المريض بانعدام عضو أو حتى الجسد .
يقول ابن عمران "هناك من يتوهم أن لا رأس له كمثل ما رأينا قريبا من القيروان فاثقلنا رأسه بقلنسوة من رصاص وجعلناها على رأسه في محل الخوذة حينئذ صح عنده إن له رأسا"
ثم يتعرض إلى الأصناف الشراسفية بكل دقة وذلك بالرغم من تعقد أشكالها وفي الختام يشير إلى الأنصاف التي تسق أو تتبع الابلسيا وكلنا نعرف اليوم العلاقة التي توجد ما بين الصرع والمزاج الهوسي الاكتئابي .
وهذا بإيجاز ما يمر تحليله بالنسبة للفصل الأول لهذه المقالة.
أما المقالة الثانية فهي تتعلق بفن العلاج
كتبها ابن عمران  بغاية الإتقان وتعرض فيها إلى الأدوية والعلاجات الكلية والجزئية.
وبالتالي إلى مختلف الوسائل العلاجية التي يمكن ترتيبها كما يلي حسب التبويب الحديث:
1- الوسائل التي ترتكز على النفس .
2-  الوسائل التي ترتكز على البيئة والمحيط
3-  وسائل العلاج بالحمية والتغذية.
4-  العلاج بالطرق الفيزيائية .
5-  العلاج بالأدوية والعقاقير .

ا) العلاج بالوسائل النفسية:
هنا يركز ابن عمران اهتمامه على ضرورة الاعتناء بالمريض حتى تزول ظنونه، وذلك بالكلمات الجميلة الأنيقة فى بالحيل المنطقية والمواساة والموسيقى والتنزه في الهواء الطلق والغابات والبساتين الزاهرة الخ.
فيحرص على التنقل من المكان الذي وقعت فيه الإصابة فينصح بالأجواء التي تميل إلى الحرارة وتقل رطوبتها-و بالابتعاد عن الأماكن المتعفنة بل ينتبه حتى إلى وجهة المنازل بالنسبة للأرياح.
2) العلاج بالتغذية والحمية:
هنا يؤكد ابن عمران الاعتناء بالصحة العامة وذلك بتنظيم الأسباب الاضطرارية الستة المذكورة أعلاه وهي: العمل والحركة السكون، والنوم واليقظة، الطعام والشراب، الهواء المتنسم والمستنشق، الاستفراغ والامتناع، وأخيرا الأحداث النفسية.
كما أن المؤلف سيشير إلي العديد من الأغذية من حيث الكم والكيف لتكون دائما لينة نقية صالحة.
3) العلاج بالوسائل الفيزيائية:
يقول بن عمران في كل يوم الاستنقاع في الماء الحار العذب، والماء البارد في صميم الصيف والادهان بعد التنشيف بالمناديل منها الادهان الكثيرة الرطوبة مثل، دهن الكتان وزيت اللوز ودهن السوسن ودهن الخرذل، والتي تستعمل إما لدلك الرأس أو لدلك الجسد كله.
4) العلاج بالأدوية والعقاقير:
يذكر هنا التفاصيل اللازمة لاعدادها والكمية المناسبة لكل عشب من الأعشاب فطريقة الاستعمال وقت تناولها ويقسمها. إلي أدوية صالحة للعلاج الكلي وأدوية صالحة للعلاج الجزئي (الإسهال مثلا)
ولقد ذكر إجمالا الدواء الذي يصلح لكل صنف من أصناف المالينخوليا رتبها حسب نوعيتها إلى بنادق وجوارش، وسفوف وايارج ومفاتل وملينات وادهان وغيرها.
ا) البنادق: هى أدوية تقدم في شكل أقراص معطرة مختلفة العطور تتركب أساسا من الهيليلج الأسود الهـندي والأفتيمون والقمونيا ودهن اللوز.
2) الجوارش: وهي أدوية تقدم في شكل معجون غلال مع عدة عقاقير صالحة للإسهال.
3) الايارج: وهي أنواع من ألا شربة.
4) البسامح: وهي أدوية مسهلة تستعمل عن طريق الشرج.
6) ثم يرجع ابن عمران إلي الملينات التي يصفها حسب تأثيرها المنشط أو المهدئ.
7) واخيرا إلى  الأدوية المستخرجة من الافيودن وغلف الخشخاش، والتي يشير بها في الحالات الخطرة كالشرسام، والمعروف إن هذه الأدوية كانت تستعمل إلي عهد قريب في المالينخوليا .
وفي الختام يقول ابن عمران: "فإن الحذق بهذه الصناعة أعنى صناعة تركيب الأدوية عظيم المعنى في الطب ".

 التحليل المقارن:
فمن هـذا التحليل الوجيز للفصل الأول لهذه المقالة يتبين لنا:
ا) أن إسحاق ابن عمران قد وصف بكل دراية تقريبا عديدا من الحالات الاكتئابية البسيطة والمعقدة المعروفة حاليا.
2) لكنه لم يصف الحالات الاكتئابية العصابية  كما نعرفها اليوم ولربما يرجع ذلك إلى أن  المجتمع الذي كان يعيش فيه كان خاليا من التغييرات الحضارية المعقدة التي نشاهدها في عصرنا الحالي.
3) انه لم يلجأ إلى الخرافات والمعتقدات الزائفة مثل أدوار الجن والشياطين أو إلى السبل الماروائية لتفسير هذأ المرض بل كان تحليله علميا ومنطقيا مرتكزا على المعاينة والتجربة.
4) انه لم يذكر ولومرة واحدة كلمة الانتحار، ذلك لان الوسط العائلي الملتحم في أركانه وأصوله حينذاك كان يمنع منعا باتا حلول اليأس من رحمة الله
ه) وأخيرا  ركز ابن عمران الخطوط الرئيسة للعلاج على اختلاف أنواعها وتكميل بعضها بعضا، فلا يضيف الطبيب النفسي الحديث  شيئا على ذلك بل ربما قصر أحيانا عن تطبيق كل هذه الطرق الأساسية معا.
   هذا ولا يعوزنا الآن إلا أن نبدي بعض الآراء فيما يخص المقارنة بين ما وصفه ابن عمران، وما نلاحظ اليوم من حالات لهذا المرض.
إننا لا نزال نعالج اليوم حقا الأشكال السوداوية الكلاسيكية التي تعرض لا ابن عمران عند الرجال وخاصة عند النساء في نطاق الذهان الهوسي الاكتئابي تارة وفي أشكالها الشراسفية والمراقية تارة أخري كما إننا نشاهد الأصناف الهذيانية الخلسية والتي تصطبغ بأعراض هستيرية وقلقية ووسواسية بالإضافة إلى حالات الذهول والاختلاط الفكري الناجمة عند المرأة عن الحمل المتكرر وفي حالات الرضاعة الطائلة وعند الرجل بعد صدمات نفسية شديدة متوالية.
وان تكاثر هذه الحالات اليوم ينتج عن مختلف أنواع الصراع الذي أصبحت تخوضه البلاد السائرة في طريق النمو ومنها البلاد العربية والإسلامية وخاصة تونس التي دخلت معركة الخروج من التخلف بمزيد من السرعة والحماس فبمجرد تطور انقلاب أل أوضاع القديمة والقيم التقليدية الأصيلة تبرز هناك الأزمات النفسية فتكثر التناقضات ويزيد التوتر والفشل وتعدد أسباب اليأس والقلق والفزع حتى تصل فحيانا إلى الحلول التي لا يحمد عاقباها.

الخاتمة
وعلينا في الختام أن نتساءل: كم من طبيب وكم من أخصائي في الطب النفسي اليوم حينما يلتقي بمريض نفسي أو غيره من المرضى يعاملونه بمثل سعة النظرـ ومثل الدقة والشغف والرحمة التي كان يشير إليها إسحاق بن عمران؟ وكم من أطباء يعرفون بحق متى يجب جمع الطرق العلاجية المختلفة دون مواجهة بعضها ببعض؟ واخيرا فكم من طبيب اليوم يصف، علاجا وصفة الدواء بدون أن يصغي مليا إلي المريض، والى شكواه العميقة ويمد له يد المساعدة التي يستحقها؟
هذا وان الدراسات المماثلة من شأنها أن تطهر الركام الذي استقر على تراثنا العلمي الأصيل، بل زيادة على ذلك فهي تفيدنا إفادة جمة وتزودنا بمزيد من الحكمة والتفطن مما يجعلنا نقدر مدى مسئوليتنا كأطباء، ونتذكر دوما قداسة الرسالة التي، أقسمنا أن نؤديها لصالح البشر، وحينما نجد أنفسنا يوما ما أمام مرضى مماثلين لتلك الحالات التي وصفها ابن عمران والتي أصبحت من سوء الحظ تتكاثر عندنا يوما بعد يوم، فكم من صفات الصبر والتفاهم والانتباه ينبغي أن نتزود بهال سكون في راحة مع ضمائرنا ونقترب إلى حد ما مما كان يوصي به في هذا الصدد إسحاق بن عمران منذ ما يقرب من لف سنة.